هل انت مخموم القلب ؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد .. فإنَّ ثمة منازلَ في الدنيا عزيزة المنال ، وبعيدة التحصيل ، إلا من استلهم العون من الله جلَّ وعلا ، وصَدَقَ في طلبه وبحثه ؛ رغبة في الحصول على أعلى المنازل في الآخرة عند الله جل جلاله وتقدَّست أسماؤه ..

ومن تلك المنازل العظيمة هي منزلة : ( سلامة الصدر ) وأعني بذلك سلامته من حمل الأحقاد والغل والحسد على الآخرين ، وأعظِم بها من منزلة ما أشرفها وما أعلاها ، قَلَّ من يصل إليها ، فيحاكي عنان السماء بأخلاقه الرفيعة ، ويملأ السكون بسمته المتواضع ، ويهدم صروحاً طالما بنيت على أساس الكبر والحسد والغطرسة ..

إنَّ منزلة سلامة الصدر ، ومكانتها العالية ، لترفع الإنسان وتقرِّبُه من ربه ، كما أنه حرِيٌ بأمةٍ تتصف بها أن تسود العالمين ، ويعُمَّ الخير في أرجائها ، ويهنئون برغد العيش وأطيبه ، بل والأسمى من ذلك كله أنها سبب من أسباب دخول الجنة ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :
( كنّا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( يطلُع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه ، قد علَّق نعليه في يده الشمال ..

( ما أجمله من منظر يرسم لنا حال المؤمن الزاهد التقي النقي ، وهو يُقبِلُ على بيت من بيوت الله لأداء صلاة أو طلب علم أو غيرها ، وإذا تأملت في محيَّاه رأيت في تعابير وجهه آثار الذل والانكسار ، والتي تنبيك أنه قد فَرُغ قلبه إلا من الله .. ) .

قال : فلما كان الغد ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث ، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته ـ أيضاً ـ ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم؛ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ـ أي تبع ذلك الرجل الأنصاري ـ

( ولنتأمل أيها الإخوة القرَّاء مدى حرص الصحابة رضي الله عنهم وتنافسهم على الفوز بعالي الدرجات ، فما كان من عبد الله بن عمرو إلا أن يبحث عن عذرٍ قاهر وسبب مقنع ، حتى لا يرده أو يرفضه ذلك الرجل الأنصاري ، على أمل أن يبوح له بالحقيقة في نهاية المطاف ، فالأمر الذي يسعى للحصول عليه عظيم ، والفوز به يتطلب مثل هذه المهمة الصعبة لكي يحوز أولاً بمثل ما حاز به الرجل ، وثانياً لينقل هذا العمل الصالح ويبينه للناس ، وهو ما يحدَّثنا به الآن .. )

فقال له بن عمرو : إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت ؟ قال : نعم . قال أنس : وكان عبد الله يُحَدِّث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث ؛ فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعارَّ وتقلب على فراشه ذكر الله ـ عز وجل ـ وكبَّر حتى يقوم لصلاة الفجر ..

قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً ، فلما مضت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله قلت : يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرٌ ثَمَّ ، ولكن سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرار :
( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) فطلعت أنت الثلاث مِِرار ، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بك ، فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟

( سبحان الله ـ ولنتأمل أيضا أيها الأفاضل ـ لو أن ما فعله عبد الله بن عمرو؛ فعله رجل في زمننا ليتتبع أمرا ماً مع أحدنا ، فكيف سيكون الرد ؛ بالطبع قد يصل الأمر بنا أن ننهره ونعاتبه ولكن لسلامة صدر هذا الرجل لم يفتك به ولم يوبخه حتى ، ولم يعاتبه على فعلته ولكنها سلامة الصدر .! فانظروا كيف كان الرد .. ) .

فقال الرجل : ما هو إلا ما رأيت ؛ غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشا ، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه ..

( ما أعظمه من أمرٍ ، وهو عملٌ من أعمال القلوب التي أعلى الله ـ جل في علاه ـ مكانتها في الدين ، وأعدَّ لها القبول عنده ، وذلك لصدق المراقبة لله تعالى ، وصفاء النية ، وعظيم المناجاة ، وخلوِّ القلب من الدنيا وحبها وملذاتها ، الأمر الذي جعل ابن عمرو يتوقف عندها ، ويحار عقله ) ..

فقال عبد الله : هذه التي بَلَغَت بك وهي التي لا نطيق .. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى :

( فقول عبد الله بن عمرو له : هذه التي بلغت بك ، وهي التي لا نطيق .. يشير إلى خلوّه وسلامته من جميع أنواع الحسد ) .

وقال أيضاً رحمه الله في موضع آخر : وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار فقال :

( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) .

أي : مما أوتي إخوانهم المهاجرون ، قال المفسرون : لا يجدون في صدورهم حاجة أي : حسداً وغيظاً مما أوتي المهاجرون ، ثم قال بعضهم : من مال الفيء ، وقيل : من الفضل والتقدم .. إلى أن قال : وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يكثر من الدعاء في طوافه يقول : اللهم قني شُحَّ نفسي ، فقال له رجل : ما أكثر ما تدعو بهذا ! فقال : إذا وقِيتُ شُحَّ نفسي ؛ وقيت الشحَّ والظلم والقطيعة .

ولقد أبرز النبي صلى الله عليه وسلم مكانة سليم الصدر ، وأعلى من شأنه ، وذلك كما جاء في السلسلة الصحيحة عن عبد الله بن عمرو، قال: قِيلَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ”. قالوا: صدوقُ اللسان، نعرفُه، فما مخمومُ القلبِ؟ قال: ” هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْيَ وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ”.
فهل نكون ممن يربي نفسه على خلق العفو والصفح ، وسلامة الصدر من شوائب الغل والحسد ، ذلك الحسد الآفة العظيمة والمرض العضال ، من سَلِمَ منه فقد سلم ، وهو مثل الغيرة يثير الحقد والكراهية ، ويدفع إلى تمني وقوع الأذى للشخص المحسود ..فلنكثر من الدعاء لله عز وجل بان يجعلنا مخمومي القلب وختاما :

نسأله سبحانه بان يوفقنا وإياكم لكل خير ، ِويسلك بنا وبكم خطى الأنبياء والصالحين ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s