بين الأمد والأبد في القرآن

لطائف قرآنية بين الأبد والأمد في القرآن

مقال للدكتور ( صلاح عبد الفتاح الخالدي )

 

 

الأبد والأمد: كل منهما ظرف زمان، ووردا في القرآن، لكنهما ليسا مترادفين، فلا بد من إمعان النظر في القرآن لملاحظة الفروق بينهما، والوقوف على لطائف من استعمال القرآن لهما.
أولاً: الأبد في القرآن
قال الراغب الأصفهاني: “الأبد: الزمن الطويل الممتد، الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان. يقال: زمان كذا. ولا يقال: أبد كذا. وحق الأبد أن لا يُثنّى ولا يجمع. لأنه لا يتصور حصول أبد آخر يضم إليه فيثنّى به” [المفردات ص59].
الأبد: المدة الطويلة. تقول: أَبَدَ، يَأْبُدُ، أَبْداً. و: تأبَّد الشيءُ: إذا تخلد. فالأبد: ظرف زمان للمستقبل، بمعنى الدهر الطويل، والمدة الممتدة، التي لا تتجزأ ولا تنقسم ولا تنتهي. والأصل أن لا يأتي إلا مفرداً نكرة.
وقد ورد الأبد ثمانياً وعشرين مرة في القرآن، كان فيها كلها ظرف زمان للمستقبل، وكان مفرداً منصوباً نكرة.
أ. الأبد المؤبد في القرآن:
1.ورد لتأكيد خلود الكفار في جهنم، وكان مقروناً مع الخلود. كما في قوله تعالى: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً . إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً) [النساء: 168-169].
2.وورد لتأكيد خلود المؤمنين في الجنة منعمين، وكان مقروناً مع الخلود. كما في قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، لهم فيها أزواج مطهرة) [النساء: 57].
3.وقد يرد لتأكيد تأبيد الشيء في الدنيا. كما في قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً) [النور: 21]. فهذا التأبيد مستمر حتى قيام الساعة، ومن المعلوم أنه لا يزكو أحد ولا يتطهر إلا برحمة الله وفضله.
ب. الأبد الموقوت في القرآن:
1.وقد يرد لتأبيد الحكم طيلة حياة المعني به، لكن الحكم ينتهي عند موت ذلك المعنى، كما في قوله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً) [الأحزاب: 53]. تحرّم الآية على المسلمين نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهن أمهاتهم. ولكن هذا الحكم المؤبد موقوت بحياة أولئك الأزواج رضي الله عنهن، وقد توقف وانتهى بوفاتهن، فهذا تأبيد موقوت محدد بحياتهن.
2.ومن التأبيد الموقوت في القرآن ما ورد في قوله تعالى: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا…) [المائدة: 24]. تخبر الآية عن رد بني إسرائيل الجبناء على موسى عليه السلام عندما طلب منهم دخول الأرض المقدسة مجاهدين، حيث رفضوا ذلك، ونفوا دخولها، وأبدوا ذلك النفي بظرف الزمان المستقبلي “أبداً”: (إنا لن ندخلها أبداً)، لكن هذا ليس تأبيداً مؤبداً، وإنما هو تأبيد موقوت، لأنهم قيدوه بدوام وجود أهلها فيها، وهذا التأبيد يتوقف وينتهي عند خروجهم منها: (إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها). ويوضح هذا ما ورد في قوله تعالى: (قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) [المائدة: 22].
إن الآية الثانية والعشرين من سورة المائدة تفسر الآية الرابعة والعشرين منها، وتبين أن تأبيدها موقوت وليس مؤبداً! وأن تفسر آية متقدمة بآية قبلها سابقة عليها، في سياق قصة واحدة، يعتبر لطيفة من لطائف القرآن!
3. ومن التأبيد الموقوت تأبيد عداوة المؤمنين للكافرين: وهو الذي ورد في قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً، حتى تؤمنوا بالله وحده) [الممتحنة: 4].. لقد صارح أتباع إبراهيم عليه السلام المؤمنون قومهم الكافرين بثلاث حقائق: براءتهم منهم ومن معبوداتهم، وكفرهم بهم، وإظهار العداوة والبغضاء لهم.
وأخبروهم أن العداوة والبغضاء أبدية، بظرف الزمان المستقبلي المؤبد: (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً). لكن هذا التأبيد لا يراد به الأبد الممتد في الزمان، إنما هو أبد موقوت، مرهون باستمرار ما عليه قومهم من كفر وشرك بالله، فإذا تخلوا عن ذلك وآمنوا بالله وحده، انقطع وانتهى التأبيد، وحلّ محل العداوة والبغضاء، الأخوة والمحبة في الله: (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده…).
والقاعدة التي نخرج بها من ذلك: إذا ورد ظرف الزمان المستقبلي “أبداً” في آية تتحدث عن يوم القيامة، كان المراد به الأبد الممتد المؤبد، الذي لا يتجزأ ولا يتوقف ولا ينتهي، ولا سيما إذا قرن بالخلود، الدال على مزيد من التأبيد كما في تأبيد خلود الكفار في جهنم، وفي تأبيد خلود المؤمنين في الجنة.

أما إذا ورد في آية تتحدث عن التأبيد في الدنيا، فقد يراد به التأبيد المستمر حتى قيام الساعة، حيث تنتهي الحياة الدنيا… وكثيراً ما يراد به: “التأبيد الموقوت” المحدد بزمان معين، أو بشروط وصفات خاصة. والجمع في دلالة الظرف “أبداً” بين التأبيد والتوقيت، ليدل على تأبيد موقوت مشروط لطيفة أخرى من لطائف القرآن.
ثانياً: الأمد في القرآن
قال الراغب الأصفهاني: “الأبد والأمد: يتقاربان. لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان، التي ليس لها حد محدود، ولا يُتَقَيَّد، فلا يقال: أبد كذا. والأمد: مدة لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر، فيقال: أمد كذا، كما يقال: زمان كذا… والفرق بين الزمان والأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية”. [المفردات ص 88].

الأمد: ظرف زمان، يراد به المدة المحددة، التي لها غاية ونهاية. تقول: أَمِدَ، يَأمَدُ، أَمَداً. من باب: غضب، يغضب، غضباً، وتقول: أمده كذا. وتقول: ضربت لفلان أمداً. أي: مدة زمنية محددة.

ولكل إنسان أمدان: الأول. أمد ماض، وهو يوم ولادته. والثاني: أمد مستقبلي قادم، وهو يوم وفاته الذي ينتظره.

وقد ورد الأمد أربع مرات في القرآن، كان في مرة معرفة مرفوعة: “الأمد”، وفي ثلاث مرات نكرة منصوبة: “أمداً”.

والأمد المذكور في القرآن نوعان:
أ. أمد ماض: وهو المدة الزمنية المحددة التي مضت وانتهت قبل نزول القرآن. وورد بهذا المعنى في آيتين:
الأولى: قوله تعالى عن بعث أصحاب الكهف: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً) [الكهف: 12].
ألقى الله النوم على الفتية في الكهف مدة طويلة، واختلف قومهم فيهم، وفي مدة نومهم، ولم يكونوا يعرفون مكان وجودهم، وانقسموا إلى حزبين، كل حزب يحدد أمداً لنومهم، منذ مغادرتهم البلدة إلى الكهف! فبعث الله الفتية، وأيقظهم من نومهم، وقدر أن يذهب أحدهم إلى البلدة، وأن يهتدي أهلها إليهم، ويعرفوا مكان كهفهم، ليحسم الخلاف الناشب بين الحزبين فيهم: (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً).
والراجح أن اسم الاستفهام “أي”: مبتدأ. و”أحصى”: أفعل تفضيل: خبر مرفوع بضمة مقدرة. و”أمداً”: تمييز منصوب لأفعل التفضيل والتقدير: أي الحزبين أدق وأضبط وأتقن إحصاء، لأمد ومدة لبثهم نائمين في الكهف.
فالأمد في الآية مدة زمنية ماضية محددة، قضاها الفتية نائمين في كهفهم، وقد عرفنا بعد ذلك أنها ثلاثمئة وتسع سنوات. لقوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعاً) [الكهف: 25].
الثانية: قوله تعالى عن أمد أهل الكتاب: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) [الحديد: 16].
يخبرنا الله أنه “طال الأمد” على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقست قلوبهم، ويدعونا إلى أن لا نكون مثلهم. والأمد في الآية مدة زمنية ماضية محددة، انقضت وانتهت. وما بين إنزال التوراة على موسى وإنزال القرآن على محمد عليهما الصلاة والسلام أمد طويل امتد لعدة آلاف من السنين. وبين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام عدة قرون.

و”الأمد” في الآية معرفة، وهو فاعل مرفوع. وتعريفه مقصود، لأنه صار معروفاً معهوداً محدداً، وقد أدى طول الأمد إلى قسوة القلوب: (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم).
ب. أمد مستقبلي: يراد به مدة زمنية محددة، لكنها آتية منظورة متوقعة. وورد بهذا المعنى في آيتين:
الأولى: الأمد فيها دنيوي: وهو المذكور في قوله تعالى: (قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً). [الجن: 25].
يأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول للكافرين به. و: “إن” هنا: حرف نفي بمعنى لا. أي: لا أدري هل ما توعدون قريب الوقوع، أم له أمد بعيد حدده الله. والذي كانوا يوعدون به هو العذاب في الدنيا، جزاء على كفرهم وتكذيبهم.
وسورة الجن مكية، وفيها هذا التهديد للكفار بقرب حلول ما يوعدون به من العذاب في الدنيا. وقد أوقع الله بهم العذاب بعد عدة سنوات من نزول هذه الآية، حيث هزمهم على أيدي المسلمين في غزوات بدر وأحد والخندق وحنين وغيرها. وبهذا كان هذا الأمد قصيراً.
الثانية: الأمد فيها أخروي: وهو المذكور في قوله تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً). [آل عمران: 30].. تتحدث الآية عن يوم القيامة، وإحضار أعمال النفوس تمهيداً لحسابها، فالنفس المؤمنة تجد أمامها الخير محضراً، والنفس الكافرة تجد أمامها السوء محضراً، فتفرح النفس المؤمنة وتستبشر، وتحزن النفس الكافرة، وتتمنى لو كان بينها وبين عملها السيئ أمد بعيد…
و”أبداً” في الآية اسم “إن” مؤخر منصوب. و”بعيداً” صفة… و”الأمد البعيد”: الفترة الزمنية الطويلة، التي تفصل بين النفس الكافرة وعملها السيئ. وهذه الأمنية لا تتحقق للنفس الكافرة، لأن عملها محضر أمامها، لا يفصلها عنه أمد بعيد ولا أمد قريب.
ومن لطائف “الأمد” في القرآن أن مرات وروده في القرآن “متناصفة”: مرتان في الأمد الماضي، ومرتان في الأمد المستقبلي… والأمد المستقبلي: نوعان، أمد دنيوي مضى وانقضى بالنسبة لنا وصار ماضياً.. وأمد أخروي قادم يوم القيامة… وثلاثة آماد نكرة، وأمد واحد معرفة: (فطال عليهم الأمد). وآماد الدنيا الثلاثة انتهت مدتها وتحققت، وأمد الآخرة لم يتحقق، لأنه أمنية مستحيلة للكافرين…

بهذه السياحة التدبرية الممتعة مع “الأبد والأمد في القرآن” ندرك أهمية ومتعة تدبر القرآن، ومتابعة الكلمة الواحدة فيه، وفهمها من خلال سياقها، وحسن ملاحظة الفروق اللطيفة الدقيقة بين الكلمات المتقاربة في القرآن، والالتفات إلى اللطائف المبثوثة فيه.

 

 

One thought on “بين الأمد والأبد في القرآن

  1. نعم الامد هو مده زمنيه(محدده) له بدايه ونهايه
    والايه المذكوره. ولاتكونوا كالذين طال عليهم الامد……. نزلت في. الصحابه حين فتروا عن ذكر الله واقتربوا من التماثل مع اهل الكتاب بقساوه القلوب بسبب طووووول الامد عليهم اي الوقت الذي ابتدأ من نزول القرأن حتي فتح اول فتح وهو. فتح خيبر. وهي. مده طويله مرت علي الصحابه. ولابد ان يكون الامد له بدايه وتكون نهايته محدده بهدف معين. مثال علي ذالك بعث الله موسي لبني اسرائيل ليخرجهم من ظلمات فرعون الي نور الاسلام. كان الامد في. هذه القصه محدد منذ. البدايه وهو كلام الله لموسي وتكليفه عند. جبل الطور. اما نهايه الامد فكانت محدده بهلاك فرعون. لذالك قست بعض قلوب بني اسرائيل بسبب طول مدت التكليف. وكذالك في كل قصص الانبياء وصحابتهم هناك امد جعله الله شرط عليهم لدخول. الجنه. له بدايه. وله نهايه ودائما تكون نهايته بهلاك الكفار. والمستكبرين علي كل رسل الله وانبيائه.واعلم ان هذا. الامد اي الوقت الطويل خصصه الله للصابرين الكاسبين اجر الحسنتين. ربنا اتنا بدنيا حسنه وفي الاخره حسنه. وقني عذاب النار. وهم. الذين حدد الله لهم الفتره الزمنيه المقضيه لأخذ وكسب اجر. الحسنتين حسنه الدنيا. وحسنه الاخره. اي بدايه ونهايه. اولائك يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا. اي بعد الامد الطويل. حتي قدوم حكم الله وآمره. وكذالك هم الذين نزلت بهم هذه الايه يؤتكم. كفلين. من رحمته ويجعل لكم. نورا. تمشون به. والمشي المذكور بلأيه هو الزمن الذي يكون به بدايه ونهايه حتي الوصول للهدف.اي الفتح. فتح خيبر. والله. ولي التوفيق. انا في الامد منذ 16 سنه ولازلت امشي بنور. الله لكي اصل للكفلين اي لحسنه الدنيا

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s