لطائف من كلام النبي ابراهيم عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

ان الفوائد المكتسبة من  الحوار القراني بين الانبياء واقوامهم فوائد عظيمة يحتاجها كل مسلم في تعلم اسس الحوار والدعوة الى الله وان من أعظم المحاورات تلك التي جرت بين نبي الله ابراهيم عليه السلام وابيه وفيما يلي عرض لبعض اللطائف البيانية التي وردت في محاورته صلى الله عليه وسلم في سورة مريم 

قال الله – تعالى -: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} (مريم: 42-45)

{يا أبتِ}: نداؤه لأبيه كان في غاية اللطف حيث لم يدعه باسمه الصريح، بل دعاه بعنوان الأبوة المشعر بالاحترام والتقدير، وناداه بـ: (يا) للتدليل على علو منزلته وبعد مكانته.

ثم قال: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}، فابتدأ بالسؤال لاستثارة انتباهه، ولفت نظره إلى عظم القول الذي سيقوله له، وهذا ليس بعجيب فقد كان نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – إذا أراد أن يحدث أصحابه عن موضوع مهم ابتدأ كلامه بأدوات التنبيه (أدوات العرض، والاستفهام)، كقوله – صلى الله عليه وسلم -: (ألا أنبأكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله!…)، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: (أيها الناس أي يوم هذا؟… ) وغير ذلك كثير.

فكان سؤاله لأبيه لاستثارة انتباهه، لِمَ تعبد ما لا يسمع.

وهنا جاء الحديث مع أبيه مقنعاً هادئاً يعتمد على الحجة والبرهان لا على الحدة والشدة، وابتعد فيه عن مباشرة اللوم وتسفيه معبوده، فلم يقل له: آلهتك التي تعبد عاجزة لا نفع فيها، بل استشار عقله أولاً بذلك السؤال، ليصل هو إلى الحق، {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}.

وهنا يفكر كل عاقل في إجابة هذا السؤال الكبير ليصل إلى الحق إذا سلم من إغواء الشيطان وتسويل النفس وطغيان الكبر، وهذا اللون من الحوار المعتمد على استثارة مكامن العقل والحجة والبرهان عند المحاور نفقده اليوم كثيراً، كما أن الحجة في هذا السؤال بينة حيث بدأ بسؤاله عن عدم سمع ذلك المعبود، ومعلوم أن أبرز مصادر التعلم الأولى هي السمع: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78)

والذي لا يسمع يصعب أن يتعلم، فإذا كان الإله المطلوب منه النفع لا يسمع فإنه بلا شك سيكون عاجزاً، وهو- أيضاً- (لا يبصر)، وكيف له في هذه الحالة أن يدفع عن نفسه الضرر، وكيف له أن ينفع عباده من البشر إذا كان لا يسمعهم ولا يراهم، إنه بلا شك لن يقدم لهم نفعاً ولن يمنع عنهم ضراً، لذا كانت النتيجة: {وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً} (الجاثية: 10).

والملحوظ في خطابه أنه كان فردياً يوجه إليه الخطاب في نقاط محددة ليلامس مكان الجرح مباشرة؛ لأنه هو صانع الإله وهو موزعها، وهو يسمع ويبصر وهي لا تفعل ذلك.

هذه هي الحجة الأولى وهي دامغة كافية، لكنه استمر في حديثه الهادئ وأبوه يستمع إليه وهذا أمر يحمد له، وربما حمله عليه حسن أدب ولده معه، ثم أضاف: {يا أبتِ} وأعاد النداء الحاني الوقور مجللاً بعنوان الأبوة إني قد جاءني، هنا لا سؤال لأن أباه قد انتبه إلى حديثه، عند ذلك نحى إبراهيم – عليه السلام – منحى آخر بحديثه؛ فذكر لوالده من قدراته ومؤهلاته ما يجعله يثق بكلامه حتى وإن كان غريباً، وأكد كلامه؛ لأنه مظنة الرد {إني قد جاءني} أكده بـ: (إن) و(قد) الداخلة على الفعل الماضي (جاءني) المشعرة بتحقيق الوقوع، {من العلم}، وكأنه يلمح في أدب إلى أن جهل أبيه هو الذي أرداه في تلك المهالك، ولكن مقام الوالدين، وأدب النبوة منعه من التصريح بذلك، فعدل عن أن يقول: (يا أبتِ إنك جاهل) إلى: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} كسباًً لقلبه، وتمهيداً لإقناعه بقبول كلامه، لذا أتبعه بقوله: {فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً}، ولكون طلب الولد من والده أن يتبعه صعب التحقق لما ركز في الطباع من كون الوالد هو المعلم وهو المتبوع والولد هو التابع لذا كله من إبراهيم بكل ما سبق ليجعل أباه يقبل منه هذا الطلب الذي فيه نجاته، وحتى لا يجعل له مجالاً للرد المتوقع أضاف: أهدك صراطاً سوياً، فذكر له كل ما يرغب فيه عاقل وهو الهداية إلى الحق، وأخرج ذلك في جملة الشرط المشعرة بترتب هذا المطلوب المرغوب وهو الهداية المنشودة لكل عاقل على اتباعه فيما يدعوه إليه، وذكر له غاية هذه الهداية وفوائدها وهو الصراط السوي حملاً له على الانصياع لمطلبه.

ثم أضاف ثالثاً: {يا أبتِ} وأعاد نداءه وتوقيره استجلاباً لدواعى الاستجابة لديه، باستدرار عطف الأبوة (يا أبتِ)، وقلما يصبر الأب على مطلب ابنه إذا كرر عليه(يا أبتِ، يا أبتِ، يا أبتِ… ).

ثم قال: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} وهنا صرح له بخطورة أمره ولم يفعلها في أول حديثه لما ذكرناه سابقاً، وإنما نهاه هنا صراحة عن عبادة غير الله، ولم يخاطبه بالمعهود من نهيه عن عبادة الأصنام التي يصنعها، بل نقله إلى أمر أعظم ليصور له شناعة فعله فقال: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} ومن يرضى بعبادة الشيطان؟

إن الشيطان مذموم في كل الأديان وعند كل الناس إلا من شذ، إنه أراد بهذا أن يقول له بطريق غير مباشر: إن من يعبد الأوثان فقد عبد الشيطان، وفي المقابل يذكر له اسم (الرحمن) المشعر بالشفقة والعطف لمن رجع وتاب، وصور له أن من عبد الشيطان فقد عصى (الرحمن)، وأبلغ في ذلك فقال: [عصياً] يعني كثير العصيان أو عظيم العصيان للرحمن.

ثم قال للمرة الرابعة {يا أبتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ}، وهذا هو ختام كلامه، لذا ضمنه ما يشعر بخوفه ووجله على أبيه، وأنه إنما فعل ما فعل، وقال ما قال خوفاً عليه، وأكد ذلك بـ: (إن) اعتناءً بمضمون الجملة، وإنما عبر بالمضارع (أخاف) لاستحضار حقيقة هذه الصفة لحظة التكلم، أي أخاف الآن ومستقبلاً، وهذا لا يكون لو قال: (خِفتُ)؛ لأن المقام الآتي والمستقبلي هو المهم في مثل هذا الموقف، وذكر الماضي في هذا الجانب ربما يأتي بنتائج عكسية بسبب اليأس والقنوط ونحوهما.

وقول (أن يمسك) تعبير لطيف يوحي بأنه يخاف على أبيه من مس العذاب ولعلك تلحظ أخي الكريم ظلال كلمة (يمس) المشعرة باللطافة والمرور الخفيف، فإذا كان يخاف عليه من ذلك فهو من غيره أخوف بلا شك، وهذا الأسلوب يعمل عمله في قلب المدعو، إذ يدعوه إلى التفكير في كون هذا الداعي بهذه الصفة وتلك الحساسية نحوي، إذاً هو ناصح صادق، فيحمله ذلك على تصديقه.

وقوله: (عذاب) هكذا بالنكرة للإشعار بأنه يخاف عليه مس أي عذاب كان، كما أن في ذكر العذاب تخويفاً لطيفاً له بطريقة غير مباشرة تجعله يحس بإمكانية العذاب، فهو تخويف مع إشفاق ومحبة، وتأمل رعاك الله إلى غاية اللطف لما قال: [عذاب من الرحمن]، فإذا كان يخاف عليه من المس اللطيف من أي عذاب، ثم هو صادر من الرحمن، الذي يوحي اسمه بالرحمة والشفقة على العباد، أليس ذلك دليلاً على حرصه على نجاته، كما أن ذلك يشعر بأنه إذا خاف عليه ذلك العذاب بتلك الصفة فإنه أشد خوفاً عليه من عذاب أعظم وأغلظ من الجبار القهار.

ليس هذا فقط بل إنه يخاف عليه أن يكون ولياً للشيطان، وعصياً للرحمن، ومعلوم أن الشيطان مذموم بكل حال، والرحمن ممدوح بكل حال، فكيف يرضى عاقل بأن يعصي الرحمن، ويكون ولياً للشيطان

 

One thought on “لطائف من كلام النبي ابراهيم عليه السلام

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s