وقفات مع كلمة راعنا

بسم الله الرحمن الرحيم

 قال – تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} [البقرة: 104].

 

معاني الألفاظ:

راعنا: أمر من راعاه يراعيه وهو مبالغة في رعاه يرعاه إذا حرسه بنظره من الهلاك والتلف وراعى مثل رعى. وحقيقة راعنا في اللغة أرْعِنا وَلْنَرعك، لأن المفاعلة من اثنين، فتكون من رعاك الله، أي احفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك، ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك؛ أي فرغ سمعك لكلامنا، وفي المخاطبة بهذا جفاء؛ فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها، وإذا وردت الكلمة بالتنوين فتكون مشتقة من الرعونة وهي الجهل والحمق.

 انظرنا: أبدلهم بقولهم “راعنا” كلمة تساويها في الحقيقة والمجاز وعدد الحروف والمقصود من غير أن يتذرع بها الكفار لأذى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهذا من أبدع البلاغة فإن نظر في الحقيقة بمعنى حرس وصار مجازاً على تدبير المصالح، و “انظرنا” بضم همزة الوصل وضم الظاء من النظر لا الانتظار، والظاهر أن معنى انظرنا يتطلب استدعاء نظر العين المقترن بتدبير الحال، وهذا هو معنى راعنا.

 سبب النزول:

في مثل هذا النص الذي نزل لتصحيح وضع معين أو تقويم اعوجاج بين يحسن ذكر السبب أو الملابسة التي نزلت عقبه أو أثناءه الآية لأنها معينة على فهم مراد الله منه؛ ويبقى مع ذلك العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما ذكر الأصوليون، وننقل في ما يلي بعضاً من الروايات التي ذكرت:

1 – وقد ذكروا [المفسرون] في سبب نزولها أن المسلمين كانوا إذا ألقى عليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – الشريعة والقرآن يتطلبون منه الإعادة والتأني في إلقائه حتى يفهموه ويعوه، فكانوا يقولون له راعنا يا رسول الله أي لا تتحرج منَّا وارفق وكان المنافقون من اليهود يشتمون النبي – صلى الله عليه وسلم – في خلواتهم سراً وكانت لهم كلمة بالعبرانية تشبه كلمة راعنا بالعربية ومعناها في العبرانية سب، وقيل معناها لا سمعت دعاء، فقال بعضهم لبعض:كنا نسب محمداً سراً فأعلنوا به الآن، أو قالوا هذا وأرادوا به اسم فاعل من رعن إذا اتصف بالرعونة… فكانوا يقولون هاته الكلمة مع المسلمين ناوين بها السب، فكشفهم الله وأبطل عملهم بنهي المسلمين عن قول هاته الكلمة حتى ينتهي المنافقون عنها ويعلموا أن الله أطلع نبيه على سرهم. [التحرير والتنوير ص650].

 

2 – وتذكر الروايات أن السبب في ذلك النهي عن كلمة “راعنا”… أن سفهاء اليهود كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ، وهم يوجهونه للنبي – صلى الله عليه وسلم – حتى يؤدي معناً آخر مشتقاً من الرعونة، فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي – صلى الله عليه وسلم – مواجهة، فيحتالون على سبه صلوات الله وسلامه عليه عن هذا الطريق الملتوي، الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء! ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في هذا المعنى، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته… ” اه [في ظلال القرآن، 1/100 – 101].

 

3 – أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أن اليهود كانوا يقولون ذلك سراً لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو سب قبيح بلسانهم، فلما سمعوا أصحابه – عليه الصلاة والسلام – يقولون، أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله – تعالى – هذه الآية، وروي أن سعد بن عبادة – رضي الله تعالى عنه – سمعها منهم فقال: “يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأضربن عنقه، قالوا: أو لستم تقولونها؟” فنزلت الآية ونهى المؤمنون سداً للباب وقطعاً للألسنة وإبعاداً عن المشابهة. [روح المعاني للألوسي: 1/549].

 

المعنى الإجمالي:

يخاطب علام الغيوب المؤمنين موجهاً لهم النداء بقوله: {يا أيها الذين آمنوا}، جاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله – تعالى – عنه فقال: اعهد إلي فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه، وفي هذا النص يأمر – عز وجل – المؤمنين بالتوقف عن استخدام لفظ راعنا واستبداله بكلمة “انظرنا” ويجب عليهم فوق ذلك أن يسمعوا أي يستجيبوا لأوامره – سبحانه وتعالى -.

 إن أسلوب استخدام الألفاظ والمصطلحات المشينة في حرب الدعوة والدعاة ليس جديداً بل يمتد عمره إلى بعثة أول نبي، يقول ابن القيم – رحمه الله – موضحاً هذا الأمر بالنسبة لحال النبي – صلى الله عليه وسلم -:

“وأشد ما حاول أعداء الرسول من التنفير عنه سوء التعبير عما جاء به، وضرب الأمثال القبيحة له، والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين، فوصلت إلى قلوبهم، فنفرت منه، وهذا شأن كل مبطل، وكل من يكيد للحق وأهله، هذه طريقه ومسلكه… ” اه.

 دروس وأحكام:

من الدروس والأحكام التي يمكن استخلاصها من هذا النص

1- ضبط المصطلحات والكلمات والألفاظ التي يستخدمها المسلم بضابط الشرع.

 

2- الانصياع لما يأمر الله به رسوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}، {وما كان قولهم إلا أن قالوا: سمعنا وأطعنا}.

 4 – استند فقهاء المالكية إلى هذا النص لاستخراج أصل “سد الذرائع” الذي يعتمد عليه في استنباط الأحكام بالنسبة للمالكية، يقول القرطبي – رحمه الله -]: “في هذه الآية دليلان: أحدهما – على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض…

 الدليل الثاني: التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد ابن حنبل في رواية عنه… “

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s